النويري

162

نهاية الأرب في فنون الأدب

إلى أن سفك بعضهم دماء بعض ، ففزع حلماؤهم إلى كاهن لهم رجوا أن يكون عنده المخرج مما نزل بهم ، فقال الكاهن : « أقسم بالسماء ذات الأبراج ، والأرض ذات الأدراج ، والريح ذات العجاج ، والبحار ذات الأمواج ، والجبال ذات الفجاج ، إنّ هذا الإمراج والارتجاج ، للقاح ذو نتاج » ؛ قالوا : وما نتاجه ؟ قال : « ظهور نبىّ صادق ، بكتاب ناطق ، وحسام والق « 1 » » ، قالوا : أين يظهر ؟ وإلام يدعو ؟ قال : « يظهر بصلاح ؛ ويدعو إلى الفلاح ، ويعطَّل القداح ، وينهى عن الرّاح والسّفاح ، وعن كل أمر قباح » ؛ قالوا : ممن هو ؟ قال : « من ولد الشيخ الأكرم ، حافر زمزم ، ومطعم الطير الحوّم ، والسباع الصوّم » ؛ قالوا : وما اسمه ؟ قال : « اسمه محمد ، وعزّه سرمد ، وخصمه مكمد » . فهذه جملة كافية من أخبار الكهّان . فلنذكر ما نطق به الجانّ من أجواف الأصنام ، وما سمع من الهواتف ، واللَّه المستعان . وأما من بشّر به عليه الصلاة والسلام من الجانّ الذين نطقوا من أجواف الأصنام وما سمع من العتائر . فمن ذلك ما روى عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما في سبب إسلام عمر ، وأنه كان قد ضمن لقريش قتل النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وخرج لذلك ، فمرّ بقوم من خزاعة وقد اعتمدوا صنما لهم يريدون أن يتحاكموا إليه ، فقالوا لعمر : ادخل لتشهد الحكم ، فدخل معهم ، فلما مثلوا بين يدي الصّنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول « 2 » : يا أيها الناس ذوو الأجسام ما أنتم وطائش الأحلام « 3 »

--> « 1 » رواية السيرة الحلبية 1 : 196 : « وحسام فالق » . « 2 » في السيرة الحلبية 1 : 202 : « كان أبو هريرة يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا ، وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم ، فبينا الخثعميون عند صنم لهم إذ سمعوا هاتفا يهتف ويقول » . وانظر شرح المواهب 1 : 276 « 3 » رواية الأبيات بهذه الصورة في شرح المواهب 1 : 276 ، وفى السيرة الحلبية 1 : 203 تختلف روايتها عما هنا زيادة ونقصا ، وانظر دلائل أبى نعيم ص 78 .